الثلاثاء، 21 أغسطس 2012

دراسة لـ«كارنيجى» تكشف تفاصيل جمهورية اللواءات فى مصر «الحلقة الأولى»


صراع دائر حول قيادة مستقبل مصر فى حقبة ما بعد مبارك بين الحكومة الإسلامية الجديدة المنتخبة ديمقراطيا وبين المجلس العسكرى، الذى تولى سدة الحكم مطلع عام 2011، وظل يسعى لفرض وصايته على الدستور الجديد والحفاظ على مكتسبات المؤسسة العسكرية التى أرست دعائم الحكم الديكتاتورى طيلة عقود وتسعى للبقاء فوق القانون، مما وضع مصير العملية الانتقالية والديمقراطية الوليدة فى مصر على المحك.
تسليم المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة رسميا إلى الرئيس المنتخب محمد مرسى، كان مؤشرا على نهاية مرحلة مضطربة فى عملية الانتقال السياسى، وبداية أخرى لمرحلة يبدو أنها ستكون أطول وأكثر تعقيدا، حيث ينبغى عليه وحكومته تفكيك «جمهورية الضباط» المتمثلة بشبكات عسكرية تخترق فروع إدارات الدولة والقطاعات الاقتصادية المملوكة لها كافة. وتمارس سيطرة حصرية على ميزانية الدفاع والمساعدات الأمريكية العسكرية. ظهرت جمهورية الضباط فى أعقاب الإطاحة بالملك على يد القوات المسلحة المصرية عام 1952 وتعيين العقيد جمال عبد الناصر رئيسا للبلاد عن طريق الاستفتاء الشعبى عام 1956. ولم تزل جمهوريتهم يوما، بل تمترست وتوسعت بأشكال جديدة لتصبح الركيزة الأساسية لنظام مبارك القائم على المحسوبيات.
بعد عام 1991، سارت عملية الدمج من خلال الوعد بمنح «بدل وولاء» يحصل عليها كبار الضباط عند التقاعد، وأسهمت آلية «الاستدعاء» (عقود يتم إصدارها للضباط الكبار عند التقاعد) فى تعزيز عضويتهم فى جمهورية الضباط، ومد نفوذ القوات المسلحة خارج الحدود الرسمية للمؤسسة العسكرية.
نصيحة للقادة المدنيين الجدد فى مصر بتوخى الحذر، فكلما أحرزوا مزيدا من التقدم، كافحت جمهورية الضباط بقوة لإحكام قبضتها على ما آل إليها وما بحوزتها من سلطات، مستخدمة شبكتها الواسعة المتغلغلة فى أجهزة الدولة بغية عرقلة سياسة الحكومة وإصلاحاتها، وإعاقة تأمين الخدمات عامة وتقويض النظام الديمقراطى الناشئ. إن جمهورية مصر الثانية لن تولد إلا عندما تزول جمهورية الضباط من الوجود.
اليد الطولى لجمهورية الضباط
قدم تسليم المجلس الأعلى للقوات المسلحة رسميا إلى الرئيس المنتخب محمد مرسى، فى 30 يونيو 2012، مؤشرا مهما على نهاية مرحلة مضطربة فى عملية الانتقال السياسى فى مصر، وبداية أخرى يبدو أنها ستكون أطول وأكثر تعقيدا. إذ سيتعين على الرئيس المنتخب، فى المستقبل القريب، أن يتعامل مع المجلس العسكرى، الذى يمارس السلطة التشريعية صراحة، ويسعى إلى السيطرة على صياغة الدستور الجديد. أما على المدى البعيد، فسيواجه المسؤولون المنتخبون ديمقراطيا «جمهورية الضباط»، المتمثلة بشبكات عسكرية مستديمة تخترق كل فروع ومستويات إدارات الدولة والقطاعات الاقتصادية المملوكة لها تقريبا. وما لم يتم تفكيك جمهورية الضباط، فسوف تستخدم نفوذها السياسى الواسع وسيطرتها على الجيوب البيروقراطية والاقتصادية الرئيسية لمنع مرسى أو أى رئيس بعده من ممارسة السلطة الحقيقية، وإسقاط أى حكومة مستقبلية لا تكون على مزاجها.
واليوم بلغت جمهورية الضباط امتدادها الأوسع. فيتمتع كبار الضباط بإمكانية الوصول إلى مجموعة واسعة من الوظائف الحكومية بعد التقاعد، وبرفض الحصول على الخدمات والسلع المدعومة، وبالسيطرة على الموارد والفرص الكبيرة ضمن الاقتصاد المدنى، وبالمكانة الاجتماعية المرموقة. كما أن جمهورية الضباط تمارس سيطرة حصرية على ميزانية الدفاع، والمساعدة العسكرية الأمريكية، والشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية. يضاف إلى ذلك أن جمهورية الضباط تستند إلى شعور عميق بالأحقية المؤسسية والشخصية. ولذا، فإن تقليصها وردها إلى حجمها الطبيعى سيكون عملية دقيقة وطويلة تستغرق سنوات عديدة.
من جانبه، أخذ المجلس العسكرى يحدد المصالح التى يعتزم الدفاع عنها بصراحة متزايدة، فرسم الخطوط الحمراء، وأصدر تحذيرات غير مسبوقة فى فظاظتها، ردا على كل ما يعتبره تحديا للمكانة الاستثنائية التى يحتفظ بها لنفسه. ومن هنا تبدو المؤشرات مثيرة للقلق. يسعى المجلس العسكرى إلى فرض إدراج مواد فى الدستور المصرى الجديد تمنحه وصاية عسكرية دائمة. ولو نجح فى ذلك، فستكون قدرة السلطات المدنية فى المستقبل على وضع السياسات المستقلة وتنفيذها لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التى تواجه مصر مقيدة بشدة. وفى هذه الظروف، سوف تعانى أى حكومة منتخبة ديمقراطيا من عدم استقرار مزمن.
أدماج المقربين
ظهرت جمهورية الضباط فى الأصل فى أعقاب إطاحة النظام الملكى على يد القوات المسلحة المصرية فى عام 1952، وخصوصا بعد تثبيت العقيد جمال عبد الناصر رئيسا للبلاد عن طريق الاستفتاء الشعبى فى عام 1956. وقد جرى نزع الصبغة العسكرية جزئيا عن مجلس الوزراء إلى حد كبير فى عهد خلفه أنور السادات فى السبعينيات، واستمر هذا الاتجاه فى ظل التهميش السياسى الظاهرى للقوات المسلحة المصرية خلال رئاسة حسنى مبارك، التى بدأت فى عام 1981، وهو رابع عسكرى يشغل هذا المنصب منذ أن تعين اللواء محمد نجيب رئيسا للوزراء فى عام 1952، ثم رئيسا للجمهورية فى عام 1953. لم تزل جمهورية الضباط يوما، بل توسعت بأشكال جديدة لتصبح الدعامة الأساسية لنظام مبارك القائم على المحسوبيات، إلى أن خرجت من ظله لتتولى السلطة الكاملة فى أوائل عام 2011.
على النقيض من تصوير القوات المسلحة المصرية فى عهد عبد الناصر على أنها عامل تغيير اجتماعى فى «الثورة من فوق»، التى أطلقها الرئيس آنذاك، حيث أشرفت على إعادة توزيع الأراضى و«مصرنة» القطاعين الصناعى والمالى فى الخمسينيات، وثم على السياسات الاشتراكية بدءا من أواخر عام 1961 فصاعدا. أدى إلى دمج القوات المسلحة ضمن نظام مبارك إلى تخليها الكامل عن مهمتها الأيديولوجية السابقة. فتم استقطاب كبار الضباط إلى النظام الرئاسى القائم على التمتع بالنفوذ والمحسوبية، وجرت استمالة القوات المسلحة ونزع الصبغة والدور السياسيين عنها. لكن بدلا من أن تنأى المؤسسة العسكرية بنفسها عن الساحة، باتت خفية بفضل حضورها الطاغى، حيث تغلغلت جمهورية الضباط فى الحياة المدنية لدرجة أصبح معها وجودها أمرا اعتياديا وطبيعيا، ليس فى نظر الآخرين وحسب، بل أيضا، وهذا الأهم، فى نظر أفرادها أنفسهم.
طائفة الضباط
بعد عام 1991، سارت عملية الدمج فى نظام المحسوبية التابع لمبارك، من خلال الوعد بمنح «بدل ولاء» يحصل عليه كبار الضباط عند التقاعد، وذلك مقابل امتناعهم عن الانخراط فى السياسة وقبولهم لرواتب متدنية نسبيا، خلال سنوات الخدمة فى القوات المسلحة. بالنسبة إلى الغالبية العظمى، يتضمن هذا البدل فرصة لمواصلة وظيفة فى القطاع الحكومى، مما يضيف راتبا ثانيا إلى المعاش التقاعدى العسكرى، ولكل منهما العلاوات والبدلات المرتبطة به.
يمكن للمتقاعدين العسكريين الذين تربطهم علاقات مع جهات نافذة أن يأملوا فى تعيينهم فى وظائف فى الجهاز الحكومى المدنى توفر لهم فرصا مربحة، خصوصا تمكنهم من تأمين دخل إضافى أو مضاعفة موجوداتهم المادية إلى جانب الرواتب والمعاشات. بالنسبة إلى القلة، يجرى التعيين الثانى بالتزامن مع الخدمة الفعلية فى القوات المسلحة، مما يخدم تكوين السّير الذاتية وبناء العلاقات تمهيدا للحصول على مناصب أفضل بعد التقاعد. فى كثير من الأحيان، يكون هؤلاء الضباط فى طريقهم إلى تولى مناصب قيادية عليا فى فروع القوات المسلحة التى ينتمون إليها، ويمكن أن يطمحوا إلى الانضمام إلى مجالس إدارات الشركات التجارية المملوكة للدولة بعد تقاعدهم من الجيش. وهؤلاء هم الأكثر حظا، والأكثر ولاء.
فضلا عن ذلك، نشأ بدل الولاء بوصفه حافزا قويا للصفين الثانى والثالث من الضباط كى يمتثلوا للنظام، ريثما يأتى دورهم. بالنسبة إلى الضباط الذين يتقاعدون برتبة لواء، ويحصلون على مبلغ مقطوع يصل إلى 40000 جنيه مصرى (6670 دولارا)، ومعاش تقاعدى شهرى يصل إلى 3000 جنيه (500 دولار)، لا بد أن يشكل احتمال حصولهم على رواتب شهرية تتراوح بين 100000 ومليون جنيه (16670 إلى 166670 دولارا)، حسب بعض التقارير، حافزا قويا. لكن نظام المحسوبية بات يعمل اليوم بطريقة مغايرة للنمط السائد فى الثمانينيات، عندما عمل وزير الدفاع آنذاك، المشير عبد الحليم أبو غزالة، لكى يحقق توجه القوات المسلحة نحو الاكتفاء الذاتى اقتصاديا الفائدة لجميع الضباط بلا استثناء. أما فى عهد المشير محمد حسين طنطاوى، الذى عين وزيرا للدفاع فى عام 1991، فإن فئة قليلة من أصحاب الرتب العليا ظلت تحقق القدر الأكبر من المكاسب نتيجة دمجها فى نظام مبارك، بينما خسر الضباط ذوى الرتب المتوسطة والدنيا كثيرا من المكاسب والمزايا الصغيرة إثر تعديل الإنفاق العام فى مصر بعد ذلك الزمن.
رسخت سياسة مسار مزدوج غير رسمية هذا الفصل. وفقا لضباط ومسؤولين حكوميين سابقين أجريت معهم مقابلات لإعداد هذه الورقة، فإن صغار الضباط، ممن يعتبرون ذوى توجهات سياسية أو غير جديرين بالثقة، لا تتم ترقيتهم بعد رتبة رائد، وبدلا من ذلك يستكملون سنوات الخدمة الاعتيادية ثم يتقاعدون كما هو معهود فى أوائل الأربعينيات من أعمارهم على أبعد تقدير. وحدهم الضباط الذين يعتبر ولاؤهم مؤكدا يتجاوزون هذا الحاجز غير المرئى. وعندما يصل هؤلاء الضباط إلى الرتب الوسطى -أى مقدم، عقيد، عميد- يميلون إلى تحمل رواتبهم وظروفهم المعيشية المتواضعة على أمل أن دورهم سيأتى أيضا.
هذا لا يعنى أن عدد المستفيدين كان متواضعا. بل على العكس تماما، إذ تضخمت «طائفة» الضباط الكبار، كما وصفها عالم الاجتماع المصرى أنور عبد الملك فى أوائل الستينيات، بشكل كبير نتيجة لعدد من التدابير. وكانت باكورة ذلك استحداث رتبة عسكرية رفيعة جديدة، هى فريق أول، فى نهاية فترة التدخل المصرى فى الحرب الأهلية فى اليمن بين عامين 1962 و1966. هذا أدى إلى زيادة كبيرة جدا، ودائمة، فى عدد الضباط الذين يمكن ترقيتهم إلى رتبة فريق ولواء.
إضافة إلى ذلك، ظل احتياج القوات المسلحة إلى كبار الضباط ثابتا على الرغم من انتهاء حالة الحرب مع إسرائيل فى عام 1979، حيث يبلغ عدد الجنود فى الخدمة الفعلية 468500، و479000 فى الاحتياط، و72000 فى القوات شبه العسكرية المرتبطة بالقوات المسلحة. كما توفر القوات المسلحة عددا كبيرا من كبار الضباط التنفيذيين والإداريين فى وزارة الداخلية ومديرية المخابرات عامة التى تتبع الرئيس.
ولعل ما زاد من عدد كبار الضباط هى الترقية التلقائية من رتبة عميد عند التقاعد (السن القصوى 54 سنة) إلى رتبة لواء. هذا يزيد من مكافأة نهاية الخدمة والمعاش التقاعدى والعلاوات والبدلات الأخرى، ويزيد إلى حد كبير عدد الألوية المتاحين للتعيين فى الجهاز الحكومى المدنى والشركات التجارية المملوكة للدولة.
يرتكز هذا النظام أيضا إلى آلية «الاستدعاء»، وهى العقود التى تبلغ مدتها ستة أشهر قابلة للتجديد، التى يتم إصدارها لجميع الضباط الكبار عند التقاعد، وتسمح لهم بالبقاء فى الزى العسكرى وفى الخدمة الفعلية (باستثناء قيادة العمليات). ويمكن تجديد عقود الاستدعاء لمدة تصل إلى عشر سنوات، علما بأنها قد تمتد فى بعض الأحيان إلى ضعفى هذه المدة. وتنفذ العقود حتى لو كان المتقاعدون يشغلون مناصب أخرى مقابل راتب فى القطاع المدنى، سواء كان عاما أم خاصا. وبالنسبة إلى حملة رتبة لواء، الذين يبلغ سن تقاعدهم الأقصى 58 سنة، فالاستدعاء يعزز عضويتهم فى جمهورية الضباط ويمد نفوذ القوات المسلحة بشكل كبير خارج الحدود الرسمية للمؤسسة العسكرية.
عوامل الإدماج فى نظام محسوبية مبارك
ثمة عوامل ثلاثة متضافرة دفعت إلى إدماج جمهورية الضباط فى نظام المحسوبية التابع لمبارك. كان أولها تصميم مبارك على أن لا يجازف بصعود رجل عسكرى قوى آخر ممكن أن يشكل تحديا لسلطته، وقد انعكس هذا فى قيامه فى عام 1989 بإقالة وزير الدفاع أبو غزالة، الذى كان يتمتع، حسب اعتقاد كثيرين، بشعبية تفوق شعبية رئيس الجمهورية، سواء داخل القوات المسلحة أم بين عامة الشعب. وبعد فترة فاصلة تولى خلالها اللواء يوسف صبرى أبو طالب (الفريق لاحقا)، والذى يحظى بتقدير كبير، هذا المنصب، عين طنطاوى وزيرا للدفاع فى مايو 1991. فى ظل طنطاوى، تم استقطاب المستوى القيادى فى القوات المسلحة إلى قلب نظام المحسوبية.
ثانيا، أدى الصراع المتصاعد مع الجهاديين الإسلاميين المسلحين، الذى ازداد مرارة بعد محاولة اغتيال مبارك فى أديس أبابا فى عام 1995، إلى تسريع ضم سلك الضباط فى القوات المسلحة إلى داخل نظام مبارك، علما بأن ذلك لم يكن واضحا فى البداية، نظرا إلى الاتجاه نحو زيادة الاعتماد على الأجهزة الأمنية. فقد ازداد عددها ليصل إلى ما يقدر بـ1٫4 مليون، وفقا لبعض التقديرات، عند الإطاحة بمبارك، أو ما يعادل قرابة 1٫5 أضعاف حجم القوات المسلحة واحتياطيها مجتمعين. فى غضون ذلك، ارتفعت ميزانية وزارة الداخلية السنوية ثلاثة أضعاف مقارنة بالزيادة التى شهدتها ميزانية الدفاع (انظر الجدول 1).
شاع الاعتقاد أن ظهور «الدولة الأمنية» قد همش القوات المسلحة، لكن صعود نجم الأجهزة الأمنية فى المعركة ضد الإسلاميين، الذى حوّل الأنظار عن المؤسسة العسكرية، كان نوعا من ذر الرماد فى العيون، لأن القوات المسلحة استمرت فى لعب دور لا غنى عنه فى المحافظة على النظام. أصبح المتقاعدون العسكريون يشغلون وظائف فى جميع مستويات الحكم المحلى، حيث عملوا كذراع تنفيذية وأمنية موازية تتبع فى نهاية المطاف الرئيس من خلال المحافظين الذين يعيّنهم. كما قامت القوات المسلحة، ولا تزال تقوم، بتقديم الضباط من الخدمة الفعلية لتولى عدد كبير من المناصب القيادية والإدارية العليا فى وزارة الداخلية ومديرية المخابرات عامة، مما يدل ويؤكد دور القوات المسلحة العضوى فى الحفاظ على نظام مبارك.
أما عامل التضافر الثالث فتمثل فى نقطة التحول التى حدثت فى عام 1991 عندما أطلق مبارك حملة كبرى لخصخصة المشروعات الاقتصادية التابعة للقطاع العام، على خلفية شطب جزء كبير من ديون مصر الخارجية، وإعادة التفاوض بينها وبين صندوق النقد الدولى على اتفاقية عام 1987، فى أعقاب حرب تحرير الكويت. لم تؤد الطريقة التى أديرت بها الخصخصة إلى «رأسمالية الدولة» ولا إلى اقتصاد سوق حرة حقيقى، بل إلى تطور رأسمالى مشوه. وقد وفر ذلك فرصة لكبار الضباط فى القوات المسلحة للوصول إلى حيز كبير من الاقتصاد المصرى الذى بقى مملوكا للدولة. ويتم هذا الاحتواء للضباط ليس فقط من خلال التعيين فى مجالس إدارات تلك الشركات، بل أوجدت الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية الجديدة فى الفترة التالية فرصا جديدة للضباط السابقين الموجودين فى الإدارة المدنية، للحصول على الثروة أو لزيادة أملاكهم وموجوداتهم.
العودة إلى المجتمع العسكرى
يمكن اعتبار جمهورية الضباط التى عاودت الظهور بعد عام 1991 شكلا مسخا من «المجتمع العسكرى» الذى قام فى عهد عبد الناصر، وفقا للوصف الذى أطلقه آنذاك أنور عبد الملك. إذ كان الدمج فى نظام مبارك يعنى أن مبارك هو الذى يتولى «مجمل سلطة القرار السياسى، لا مجرد السيطرة على جهاز الدولة». بقيت القوات المسلحة لاعبا أساسيا فى «نظام الحكم متعدد الأطراف المتصارع» المؤلف من قوى مؤسسية وسياسية متنوعة بإشراف الرئاسة، ومنها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، والجماعات الاقتصادية الرئيسية، والحزب الوطنى الديمقراطى، خصوصا عقب صعود نجم جمال مبارك، نجل الرئيس، ومَنْ حوله من وزراء ورجال أعمال متنفذين بعد عام 2000، الذى هدد بإخفاء أو تقليص نفوذ القوات المسلحة. وعلى الرغم من تغلغل جمهورية الضباط إلى أعماق جهاز الدولة، لم يضف ذلك إلى المؤسسة العسكرية دورا سياسيا استثنائيا. فى الواقع، لم يكتف مبارك بتطبيق تحذير عبد الناصر بأننا «لا نريد سياسيين داخل الجيش»، بل عكس أيضا وبنجاح أطروحة عبد الناصر القائلة بأن «الجيش ككل يشكل فى حد ذاته قوة فى العملية السياسية الوطنية». إن عملية دمج كبار الضباط من قبل مبارك، التى ضمنت ولاءهم وإذعانهم له، أبعدتهم فى الوقت نفسه عن واقع مصر الاجتماعى والسياسى، وقلصت قدرتهم على المبادرة والإبداع، لكنها لم تقلص من رغبتهم فى حماية سلطاتهم المكتسبة وامتيازاتهم المتراكمة.
يظهر ذلك الإرث جليا اليوم فى سلوك المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذى تسلم مقاليد الحكم التنفيذية والتشريعية الكاملة من مبارك فى 11 فبراير 2011. ويتألف المجلس فى العادة من وزير الدفاع ومساعديه الأساسيين (للشؤون المالية والقانونية وغيرها)، ورؤساء أركان فروع القوات المسلحة الرئيسية، ورؤساء الاستخبارات العسكرية وغيرها من المديريات، وقادة المناطق العسكرية الخمس. ولقد عمل المجلس الأعلى جاهدا لإقناع الضباط وضباط الصف والأفراد بأنه يمثل مصالح القوات المسلحة ككل، لا فقط مصالح كبار الضباط أو الشريحة العليا منهم. لكن، فى الواقع، سعى المجلس إلى الدفاع عن الموقع المتميز للمؤسسة العسكرية، التى تمتطى جهاز الدولة واقتصادها من خلال شبكات الضباط العاملين والمتقاعدين التى تتكون منها جمهورية الضباط. وإذا ما بدت الفواصل بين القوات المسلحة والمجلس الأعلى وجمهورية الضباط غير واضحة، فيعود ذلك إلى حقيقة أنها مغشية وضبابية فعلا. فإن ذلك الغموض ومعه إمكانية التنفذ من هيئة إلى أخرى وحرية التصرف هو بعينه ما يجهد المجلس العسكرى لإدامته.
غير أن المجلس العسكرى اضطر، على الرغم من ذلك، إلى الخضوع إلى عملية اختبار وتعلم غير مألوفة حين خرج من ظل مبارك واحتل موقع الصدارة فى السياسة المصرية فى أوائل عام 2011، فقد وجد صعوبة جمة فى تقديم رؤية اجتماعية أو برنامج اقتصادى أو خطة سياسية متكاملة للعملية الانتقالية، وتعثر مرارا حين حاول أن يصوغ تحديدا واضحا لمصالحه أو أن يبتكر صياغة دستورية لحمايتها. لم يكن المجلس رافضا تماما للسماح بحدوث انفتاح سياسى وإعلامى، كما لم يكن قادرا بشكل كامل على التنبؤ به أو الحيلولة دون حدوثه. لكنه كان أيضا عاجزا عن تصور أى سياسة تتطلب إصلاحا جوهريا أو تغييرا هيكليا، إذ يعتبر أن ذلك ينطوى بالضرورة على تهديد ضمنى له، فكيف به أن يشرع بمثل هذه السياسة. بل على العكس تماما، عندما وجد المجلس العسكرى نفسه فى مواجهة عملية انتقالية غير مألوفة ومقلقة، لجأ إلى قيمه الأبوية وإرثه السلطوى، فاتخذ المواقف المتحفظة والدفاعية أكثر فأكثر كلما شعر بوجود تحدٍّ مباشر لمكانته أو مصالحه الأساسية. وهذا يفسر كثيرا من ارتباكه وتردده وتغييره المتكرر للمسار طوال تعامله مع العملية الانتقالية.
مع ذلك، كان المجلس العسكرى يصر بعناد تام على احتكار السلطة لتحديد الترتيبات الانتقالية، وتسلسلها، وجدولها الزمنى. فقد رفض أن يحذو حذو نظيره الجيش التونسى، الذى ترك مهام تخطيط العملية الانتقالية وإدارتها بعد هروب الرئيس زين العابدين بن على فى يناير 2011، إلى «الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسى والانتقال الديمقراطى»، المؤلفة كليا من المدنيين. فى المقابل، أجاب المجلس العسكرى لمحاوريه من المدنيين الذين اقترحوا ترتيبا مماثلا بعد إطاحة مبارك: «نحن لا نعمل على هذا النحو. لا نعمل من خلال لجان مدنية عسكرية مختلطة». لكن تبين أن إدارة المجلس العسكرى للعملية الانتقالية فى مصر تتسم بالفوضى، إذ شوّش المجلس على العملية الدستورية، وأخَّر التشريعات التى تحتاج إليها البلاد جدا، وتدخل بطريقة مزاجية فى الإدارة المالية، كما فشل فى إصلاح وزارة الداخلية وإعادة العمل الشرطى، مع أن هذا كان أحد المجالات التى كان يمكن أن يحقق فيها تقدما حقيقيا.
هذا السجل الحافل يؤكد أن تصوير المجلس العسكرى لنفسه منذ إطاحة مبارك بأنه وصىّ على الثورة المصرية، ينطوى على قدر كبير من التحوير. فهو لم يبدأ بالعملية الانتقالية، بل اضطلع فيها فى أحسن الأحوال بدور القابلة الذى فرضته عليه حركة الاحتجاج الجماهيرية، أو تصرف فى أسوئها على نحو استباقى، حيث أزاح الرئيس لكى يجهض حصول تغيير ثورى أعمق ويحمى نفسه. ويجدر التذكير بأن طنطاوى قد شغل منصب وزير الدفاع على مدى السنوات العشرين الأخيرة لحكم مبارك، وهى أطول فترة يمضيها أى شخص فى هذا المنصب منذ تأسيس الدولة المصرية الحديثة والجيش العصرى على يد محمد على فى أوائل القرن التاسع عشر. كان طنطاوى، إلى جانب أعضاء آخرين فى المجلس العسكرى، بمن فيهم كبار مساعديه فى وزارة الدفاع، قد تجاوزوا بالفعل سن التقاعد الرسمية المحددة لكبار ضباط القوات المسلحة، وذلك قبل نقل السلطة إليهم فى عام 2011 بوقت طويل. وهذا لا يمكن تفسيره إلا من خلال دورهم فى حماية نظام المحسوبية الذى أقامه مبارك والاستفادة منه. البقاء كل هذه المدة الطويلة فى المنصب إنما يعكس الولاء السياسى من جانب طنطاوى وزملائه الضباط لمبارك، لا لكفاءتهم المهنية العسكرية.
هذا الاستنتاج أكده التقييم المسرب من موظفى السفارة الأمريكية فى برقية تعود إلى عام 2008 بأن «الجهوزية التكتيكية والعملياتية للقوات المسلحة المصرية قد تراجعت» فى عهد وزير الدفاع، ويصف ضباط ومسؤولون أمريكيون مطلعون على برامج المساعدات العسكرية لمصر القوات المسلحة المصرية بأنها لم تعد قادرة على القتال. أما الخبيران البارزان فى الشؤون المصرية، كليمنت هنرى وروبرت سبرنجبورج، فيقولان بصراحة: «ليس الجيش المصرى قوة محترفة منيعة كما يصوره كثيرون. فهو مترهل وتتكون نواته من ضباط مدللين تم تسمينهم ضمن نظام المحسوبية الذى أقامه مبارك. أما تدريبه فيتسم بعدم الانتظام، فى حين تعانى معداته من افتقار شديد إلى الصيانة، كما يعتمد على الولايات المتحدة للحصول على التمويل والدعم اللوجيستى». ويظهر ضباط مصريون صغار تم الاستشهاد بهم من دون ذكر أسمائهم فى برقيات «ويكيليكس» وفى تقارير صحفية نشرت مؤخرا -إدراكا مماثلا لهذا التراجع، فى حين يشكو كبار الضباط المتقاعدين الذين تمت مقابلتهم فى إعداد هذه الورقة من كون القوات المسلحة لا تزال تتمسك بعقيدة العمليات السوفييتية ولا تزال تحتاج إلى تطوير قدرة حقيقية فى العمليات القتالية بالأسلحة المشتركة، على الرغم من أن الأمريكيين يتولون منذ ثلاثة عقود أعمال التدريب إلى جانب إقامة المناورات الأمريكية – المصرية المشتركة.
باختصار، يبدو أن القوات المسلحة أصبحت أكثر انغلاقا من دون أن تكتسب الكفاءة كقوة مقاتلة، وبمعزل عن المظهر الخارجى للمؤسسة العسكرية المصرية، وإبرازها لذاتها كمؤسسة تتسم بالحرفية فى المقام الأول، أصبحت بلا ملامح واضحة تمثلها شبكات الضباط غير الرسمية التى تتغلغل فى جهاز الدولة واقتصادها عبر نقاط لا تعد ولا تحصى، بقدر ما تمثلها فروعه القتالية الرسمية. لم تختبر القوات المسلحة فى القتال منذ أربعة عقود -باستثناء مساهمة محدودة فى عملية «عاصفة الصحراء» فى الكويت فى عام 1991، ويصفها الضباط الأمريكيون بأنها كانت «خائبة»- وبالتالى يبدو أن الروح الجماعية لدى كبار الضباط تعتمد على الذهنية الدفاعية والتصور المحافظ بأن الإصلاح والتغيير يشكلان مصدر تهديد كامن لهم، أكثر من اعتمادها على شعور حقيقى بأنها تضطلع بمهمة وطنية. هذا التراجع فى الاحتراف المهنى لدى القوات المسلحة المصرية وفاعليتها العملياتية ناتج إلى حد كبير عن التحول المهم الذى شهدته جمهورية الضباط بعد عام 1991.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق