الجمعة، 29 يونيو 2012

المجد للغربة -- مالك مصطفى


كنا نعلم أننا كما بدأنا غرباء، سنستمر كذلك، إلى أن ننتهى، سنعود مرة أخرى غرباء.
لم نغترف من كأس عرس ديمقراطيتكم، وما كنا من ناسكيها، انعزلنا وأخبرناكم أن لا شأن لنا بما يدور فى انتخاباتكم.
حاربتمونا، وملأتم الدنيا ضجيجا عن كوننا «خونة» أو «موالين لشفيق»، أو «فلولا»، أخبرتمونا أنه إن لم نشارك فلن يستجاب لأصواتنا، لم تفهموا يوما أننا لا نحاول أن «نستأذنكم» حينما نريد أن يسمع أحد «أصواتنا»، بل وقتها سنرعد فى آذان الجميع وسنجبرهم على الإصغاء.
يومها يرغم الجمع على الانتباه، ولن تجدوا حينما تدار لكم وجوه من تحالفتم معهم، ملاذا غيرنا، يومها ستأتوننا نادمين على كل ما قدمتوه، أو أغفلتموه.
«أن تكون مقاطع -مبطل فى الانتخابات- فهذا يعنى أنك لا تعترف بشرعية تلك الانتخابات أو شرعية النظام الذى أقيمت تحت ظله، ولا شرعية النظام الذى ستنتجه، وأنك ما زلت تعمل على إسقاط النظام، وإن تغيرت الأسماء والوجوه الآن».
ملأتم الدنيا صراخا، وتسللتم إلى عقول البشر، مجاهرين بأنه لا بد من إنقاذ الثورة بانتخابكم، وأن من لن ينتخبكم، قد انسحب من ساحة الثورة، وارتضى أن يكون بين أعدائها، وأن عليهم محاربة أعدائهم الجدد قبل القدامى.
والآن، تطلبون من الجميع الهدوء والعمل، وإعطاءكم الوقت الكافى لإنجاح التجربة، ولم تفهمونا كيف ستُنجحون التجربة، وأنتم لا سلطة لكم عليها؟ وارتضيتم بتقسيم السلطة بينكم وبين الظالمين؟
كيف نصمت وأنتم بلا إرادة، مجرد عرائس خشبية، أحبالها فى أيدى غيركم؟
غريبة ولدت ثورتنا، وغريبة عاشت، وغريبة ستبعث لمجدها، فالمجد للغرباء.
المجد للغرباء من كل حَجر فى شوارعنا ألقى به على ضباع السلطة، ليفتح طريقا إلى الحرية.
المجد للغرباء من كل قطرة عرق كانت تنزف مختلطة بالدماء «أى دماء، كانت لك أو لرفيق لك»، تعرف أن السبيل طويلة، وأنها مجرد رفيقة فى تلك الثانية من الثورة.
المجد للغرباء من شهدائنا، أيقونات ثورتنا، وهم بُدلوا دارا خيرا من ديارهم، وأرضا خيرا من أرضهم، مبتسمين لنا وراضين عما ذهبوا إليه.
المجد للغرباء حينما تقدموا الصفوف، وحينما تأخروا، ليحفظوا وجوه كل البشر، ويمتنون لتلك الوجوه، لأنها أيقظت بداخلهم الشعور بالانتماء مرة أخرى.
لم نشعر بالانتماء من قبل أن نهبط الميدان، لم نعرف معنى الامتنان لمن هو بجوارك، لمجرد وجوده بجوارك، لم نشعر أن لنا وطنا، قبل أن نصرخ باسمه فى الشوارع فى طريقنا إلى الميدان، لم نشعر أن لنا أرضا قبل أن ننام على طرقات الميدان، ونستنشق رائحة الصباح فيه، لم نشعر قبل اليوم الذى استمعنا فيه إلى نشيد «إسلمى يا مصر» فى مكبرات صوت المنصات، أن لنا نشيدا، ووطنا، وشعبا، وأن حريتنا تدعونا إليها ونستجيب.
«إسلمى يا مصر إننى الفدا، ذى يدى إن مدت الدنيا يدا، أبدا لن تستكينى أبدا، إننى أرجو مع اليوم غدا، ومع قلبى وعزمى للجهاد، ولقلبى أنتِ بعد الدين دين، لك يا مصر السلامة، وسلاما يا بلادى، إن رمى الدهر سهاما، أتقيها بفؤادى، واسلمى فى كل حين».
ما بين الولادة والبعث، تتغير كل الظروف، وتتبدل الولاءات، وحينما تستعر الأزمات، ستجد أن المرابط هو الغريب، وأن المهرولين ناحية النجاة هم الكثر.
فطوبى لأبناء الغربة، الذين لم توهن فى صدورهم الوحدة وسط دقات الصفقات، فطوبى لأبناء الصمت الذين لم تتغير نفوسهم فى الوحدة، وما زالوا على العهد باقين، طوبى للذين إن تفرق الشمل من حولهم، لم يستشعروا اليأس، ولم يستمرئوا الهروب، بل فى رباط إلى يوم تبعث ثورتهم من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق