‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 29 يونيو 2012

احلم معايا 2

لماذا لا ترحلى يا دولة العواجيز 
وطننا الغالى يدفع الثمن الان لقوانين وضعت منذ زمن بعيد وهى فى الاصل من قمة الفشل ان نتبعها حتى الان ونسير عليها ونحن لا نعرف انها ما هى الا قيود تكبلنا وتعيق مسيرة تقدمنا التى اذا كنا نريد ان نقوم بها للنهوض ببلادنا .
كثيرا ما اسأل نفسى ما معنى ان يكون السن الذى تم وضعه للتقاعد الى المعاش هو سن الستون عاما من ذلك العبقرى الذى فكر ووضع ذلك القانون وكيف تمت الموافقة عليه من الاصل فى ذلك الوقت الم يكن يعرف واضع القوانين هذا العبقرى ان الزمان سوف يتغير ولن تكون هناك ظروف مشابهة للظروف التى قام بها حينها بوضع ذلك القانون العقيم العاجز الفاشل .
لك ان تتخيل معى انك بعد ان تتخرج من جامعتك وحصولك على شهادتك الجامعية والمستقبل امامك ولم تحصل على وظيفة واكرمك الله تعالى بالحصول على وظيفة فى بلادنا بعد عناء البحث وكان عمرك وقت حصولك على هذه الوظيفة 25عاما وانطلقت فى عملك ولثبت انك جدير بالحصول على وظيفتك ولتكون مستقبلك وتنجح فى عملك الجديد لك ان تتخيل انك ستظل فى هذه الوظيفة حتى ان تكمل عامك الستين ثم تنتهى رحلتك فى هذا العمل اى انك قبعت فى هذا المكان 35 عاما كاملة هل تستطيع ان تحسب معى كم جيل خرج للحياة مع كل عام وكم جيل تخرج من جامعته كل عام ولم يجد اى وظيفة وكل هذا وانت مازلت فى مكانك لم ترحل عنه وغير ذلك انك لن تؤدى عملك بالكفاءة المطلوبة منك كلما تقدم العمر عاما بعد عام فانت صحتك وحيويتك وانت فى عز شبابك ومقتبل عمرك غير العام الذى يليه وهكذا الى ان تصبح عبئ على وظيفتك ولن تستطيع تطوير نفسك وملاحقة التطور الذى تطرأعلى الحياة العملية فى عملك او مهنتك .
تحتاج لدينا القوانين التى تنظم العمل الى مراجعات كثيرة وتطويرها حسب احتياجات ومتطلبات زمننا الان لا ان نسير بقوانين منذ الخمسينيات تعيقنا وتكبلنا وتضعف مسيرتنا نحو المستقبل والغد الافضل لتعاد مراجعة قوانين سن التقاعد وبلوغ المعاش وليتم تخفيض السن ليكون مناسبا للتقاعد وايضا ليسمح لاتاحة فرص عمل جديدة ودخول دماء وكوادر شابة جيدة تستطيع ان تؤدى العمل بمنتهى الطاقة والتجديد ومواكبة التطور العلمى فى كل مجالات الحياة .

ما اجمل ان لا تخالف مبادئك التى تؤمن بها


احلم معايا

حلم حياتى الذى حلمت به لبلادى مثل كل الشباب الذين هم فى مثل عمرى ان تكون بلادنا فى مكانها الذى تستحقه بين الامم التى سبقتنا بسنوات ضوئية الى التقدم والرقى والعلم ومصر بحضارتها التى تميزها عن كثير من الامم لا تستحق منا ان يكون او يصل بها الجهل الى ما يقرب من نصف شعبنا العظيم مصر العظيمة انتشر بها الجهل والفقر والمرض والفساد حتى ضاقت على اهلها وهجرها خيرة شبابها وخيرة عقولها وعلمها واستقر بهم الحال فى بلاد اخرى قدرتهم واعطتهم الامكانات التى برعوا بها فى الرقى والتقدم والعلم .
اتالم كثيرا حينما اكون فى ميدان التحرير والحرية وانا اقابل نماذج من شباب بلادى وصلوا الى مستوى جيد من التعليم ولكنهم محدودى الفكر ليقال عنهم انهم انصاف متعلمين حتى اثناء المناقشات السياسية لم نرتقى بعد او نتعلم كيفية الحوار المتحضر الراقى والحديث بشكل اكاديمى وحديث سياسى محدد لكن التمس العذر لكل من حولى حيث اننا كنا محرومون من هذه الحقوق فى ممارسة حقوقنا السياسية والحديث حتى ولو عن ابسط المشاكل التى تهمنا وتهم بلادنا ومستقبل اولادنا .
ثورتنا على عبئ كبير وثقيل حيث انها مطالبة ان تحارب الجهل والفقر والامية السياسية لكل اهلنا البسطاء وغيرهم وتقوم على توعيتهم وتعليمهم ابسط قواعد ممارسة الحياة السياسية وتوعيتهم بكل حقوقهم الدستورية وحقوقهم التى تكفلها لهم مواثيق حقوق الانسان فى العالم لنساعدهم على الحياة الكريمة التى حرموا منها سنين عديدة تحت حكم انظمة ديكتاتورية فاسدة كانت وما زالت حتى الان تحارب بكل قوتها من اجل البقاء متحكمة فى كل ثروات ومقدرات الوطن وتحرم اجيال كثيرة من حقها فى الحياة وتحقيق احلامها بالمستقبل المشرق لها ولاولادها ووطنها .
ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين .

الخميس، 28 يونيو 2012

رجل غريب فى القصر


لمن السلطة اليوم؟ تسأل السؤال وأنت تسمع ضجيج حركة الألواح الكبيرة فى الدولة المصرية.
الألواح تتحرك. فقد حدث الزلزال.
رجل غريب فى القصر. يريدونه فى القصر لتكتمل خطتهم الذهبية فى احتواء الثورة، لكنه سيظل غريبا. رئيس لكن ماكينة الدولة شفطته داخلها، يتجول بين الحجرات، لكن عقله شارد. اختار أكثر بدلاته أناقة، واستخدم رابطة العنق، لكن مجهوده فى السيطرة على مشاعره واضح. المرسى أخيرا على نفس المكتب الذى جلس عليه مبارك عندما قابل عمر سليمان وأحمد شفيق. المرسى فى القصر بينما لم تعد الدولة العميقة تخفى أصوات حرب «الشرشحة» الداخلية بعد فشل سيناريو اختيار آخر سلالة الدم الكاكى.
الشفيق شعر أنه ذُبح وكذلك الطبقة العليا من قادة الثورة المضادة: كيف ندفع كل هذه الأموال ولا ننتصر فى معركة استخدمنا فيها كل ما لدينا.. وآخر ما لدينا؟ قادة الثورة المضادة شعروا بالاطمئنان رغم أن نجاحهم لم يساعد على «تستيف» انتصار قانونى، وكانوا حملا ثقيلا على المجلس العسكرى بعد فقد السيطرة على عناصرهم الإجرامية، وانفلات أعصاب القطاع الوقور. الثورة المضادة كانت فى حرب حياة أو موت.
والثورة شعرت بالغربة تماما فى معركة الانتخابات.
وهناك من اتخذ قرار توجيه ضربة مزدوجة للثورة والثورة المضادة معا.. وهنا كان قبول دخول الغريب فى القصر.
وتقبل حرب الشتائم ضد المجلس العسكرى والمشير شخصيا.
ومونولوجات العكش على قناة «الفراعين» ليست سوى تأكيد أن انفعال شباب حملة الشفيق لم يكن عابرا ولا فلتة أعصاب، كما أن إحراج الشفيق للمجلس بالسفر إلى الإمارات جزء من إعلان حرب.
لكن حرب مَن.. وضد مَن؟
هذا هو اللغز المحير فى استعراضات الثورة المضادة المكشوفة ضد المجلس والمشير والمخابرات الحربية.. وهى كيانات كانت بالنسبة إلى الثورة المضادة محل هيبة وحماية إلى ما قبل إعلان النتيجة بدقائق قليلة.
هل هو تليفون الشاطر بالموافقة على الصفقة.. كما تقول روايات صادرة من أروقة الثورة المضادة؟
أم أنها حرب أجنحة الدولة العميقة كما فسرت بعض التحليلات المجتهدة فى تفسير ما يحدث؟
وفى الحالتين فإن ما يحدث الآن يشير إلى عدم سيطرة أو رغبة فى إظهار عدم السيطرة، لأنها تحمل فى طياتها تسريبا متدرجا بعدم شرعية دخول المرسى القصر، وتبرر الهجوم الضارى على الرئيس قبل حلف اليمين الدستورية.
هى حرب تنهش فى شرعية الصناديق وتختصرها فى حرب الغرف المغلقة، وصراع ألواح الدولة المصرية. ماكينة الدولة امتصت الرجل الغريب عليها، واستقبلت طبقة الحكم (العسكرية -البيروقراطية) رئيسا من خارجها بعد ٦٠ عاما من إحلالها محل أرستقراطية الدم الأزرق. هل هذا العنف والشراسة فى تبادل الشتائم بين أبناء وتوابع الدولة العميقة، هو تعميد للرجل الغريب؟ أم أنها حركة ألواح كالتى تحدث فى باطن الأرض عند قيام الزلزال سيعاد بعدها رسم جغرافيا الدولة العميقة والظاهرة معا؟ ترتبط هذه الحركة الصادمة بتحركات أخرى من أحزاب سياسية، لا وزن حقيقيا لها فى الحراك السياسى، لكنها ومن خلال الرخصة تريد تشكيل ملحق سياسى للمجلس، يدير العداء المكبوت مع الرئيس الغريب ومن يحمل معه أو ما يمثله من رمزية أكبر منه هو شخصيا.
أحزاب المجلس تلعب دورا مشابها لأحزاب القصر قبل يوليو ١٩٥٢، دورا قريبا من شاحنات الجو السياسى أو مثيرات غرائز القتال عند المتنافسين.
وبهذه الوظائف سيحول الصراع بين الدولة العميقة والغرباء عليها إلى سباق ومزايدة: من المتآمر؟ من يتفاهم مع الأمريكان؟ من أكثر ديمقراطية؟ من أكثر انحيازا لدولة القانون؟ من يحقق المصلحة الوطنية؟
أسئلة سنجدها مع كل خلاف وستؤدى إلى نتائج مذهلة تشبه إلى حد كبير مثلا ما خلصت إليه حادثة ٢ فبراير ١٩٤٢ الشهيرة عندما خرج منها الملك فاروق وطنيا، بينما النحاس زعيم الأمة عميلا للإنجليز، كما يتلخص المشهد وكما صنعته تلك الأجواء المشحونة من أحزاب القصر.
وهذا يعنى أننا دخلنا بالفعل دراما سياسية من هذا النوع الغامض والمحبوك والذى تختبر فيه الدولة كل خبراتها ومهاراتها، لكنها فى نفس اللحظة تعبر عن نهايتها أو بمعنى أدق غروب عصر كامل من طرق إدارة الدولة. فى هذا الغروب لا مجال للغرق فى التفاصيل إلا بمنطق الفرجة والتسلية والتعامل مع هذه الدراما بمنطق الفرجة، بينما تتضح إرادة بناء علاقة جديدة بين السلطة والمجتمع. علاقة تبلورها أفكار وروح الثورة، حيث المجتمع شريك وليس متفرجا على استعراضات السلطة، ليس موقعنا متابعة مزايا وطيبة الرئيس الذى يشبه جارى ويصلى الفجر فى الجامع ويأكل البطاطس، لكن المجتمع يحجز موقعه الجديد الذى يقول فيه للرئيس: «لست وحدك فى القصر».

رجل غريب فى القصر - التحرير

رجل غريب فى القصر - التحرير
رجل غريب فى القصر. يريدونه فى القصر لتكتمل خطتهم الذهبية فى احتواء الثورة، لكنه سيظل غريبا. رئيس لكن ماكينة الدولة شفطته داخلها، يتجول بين الحجرات، لكن عقله شارد. اختار أكثر بدلاته أناقة، واستخدم رابطة العنق، لكن مجهوده فى السيطرة على مشاعره واضح. المرسى أخيرا على نفس المكتب الذى جلس عليه مبارك عندما قابل عمر سليمان وأحمد شفيق. المرسى فى القصر بينما لم تعد الدولة العميقة تخفى أصوات حرب «الشرشحة» الداخلية بعد فشل سيناريو اختيار آخر سلالة الدم الكاكى.

نوارة نجم وهى تحكى عاما ونصف من تاريخ ثورتنا ومن خانوها وباعونا وتاجروا بدمائنا


عقب مجزرة ماسبيرو توجهت إلى المستشفى القبطى، استوقفنى شخص بابتسامة عريضة قائلا: تخشِّى المشرحة ولا حتخافى؟ فقاطعه رجل آخر: حرام عليك. فأجاب وهو يسحبنى من يدى: لا مش حرام.. ودفع بى إلى الباب بينما تتعالى أصوات بعض الوقوف: حرام عليك يا أخى… ما تخشيش يا نوارة. التفتُّ إليه فأومأ برأسه باسما: خشى خشى! كان لغط بداخل المشرحة، أصوات بكاء، دعوات على الظالم والصامت والراضى، ثم صفير فى أذنى، ولم أعد أسمع شيئا، وقعت عينى على وجه مبتسم، تسيل من رأسه الدماء، ابتسمت له وحدثته ببضع كلمات، ثم شعرت بأيدٍ تربت على كتفى وأذرع تحتضنى لتخرجنى. خرجت من المشرحة فقابلت كاميرا تليفزيونية، ولوهلة، نسيت ما رأيت بالداخل، ثم خرجت إلى بوابة المستشفى لأستمع إلى نحيب أحد الشباب وهو يصرخ: يا مينااااااا… ثم نظر الىّ: مينا دانيال يا نوارة! جلست بجواره، ولم أبك. تذكرت فجأة الوجوه التى قابلتها بالداخل، وتذكرت أن الوجه الباسم الذى كنت أحدثه بالمشرحة كان لمينا دانيال، ولسبب لا أعرف تفسيره العلمى، تعاملت معه بوصفه حيا يُرزق، ولسبب لا أعرف تفسيره العلمى نسيت أننى شاهدته بالداخل وتعاملت مع الخبر كأنه لم يحدث حتى حضرت رباب المهدى وأخبرتها بنفسى أن هذا الشاب الجالس بجوارى يبكى مينا دانيال، ولسبب لا أعلمه، لم أبدأ فى البكاء إلا حين أخبرنى الحضور بأن علىّ الرحيل.
لم يكن هذا السيَحان فى الدماغ هو الأكثر إيلاما. المؤلم كان فى تعليقات من لم يحضر المجزرة ومضى يرغى ويزبد فى ما لا يعلم ولا يشعر ولا يفهم. المؤلم كان فى إلقاء اللوم على الضحية، الذى كان علىّ أن أواجهه عقب كل مجزرة، بدءا من 15 مايو حتى مجزرة العباسية. كأن المرء يتعود على ارتفاع نسبة الأدرينالين، كأن المدرعات والرصاص يتحولان إلى لعبة، تبعث على الضحك أحيانا، وعلى الصراخ الطفولى أحيانا أخرى، كأن سقوط من كان يمازحك منذ هنيهة برصاص العدو تحول إلى أمر روتينى، يستلزم التعليق عليه منبها من حولك: الواد مات.. أنت تعتاد المواجهات، ولا تعتاد الظلم… آه، قلت رصاص العدو! هذا أمر مؤلم آخر، ربما تجاوزته بعد فترة، أن يتحول من كنت تفخر به من بنى وطنك إلى عدو يسعى سعيا حثيثا للإجهاز عليك وكسر إرادتك وإهدار كرامتك. إلا أن توصيفه بالعدو، قد يصاحبه بعض المرارة فى البداية، ثم تشعر بالراحة بعد قليل: هذا هو العدو… ليس هنالك ما يدعوك إلى الأسف لأنه يوجه سلاحه ضدك.
تجد للعدو أعذارا، لا تبرر فعله، لكنها تريحك من التساؤل الذى يقض مضجعك: لماذا؟ ببساطة لأنه عدو، تتعارض مصالحه مع مصالحك. هو بالأساس له مصالح، وأنت تهدده لأن مصالحه تَصادَف أنها تأتى على حساب كرامتك، وحقك، وقوتك، وحريتك. الباشا عايز يفضل باشا، وأنت تقول له: مش حتبقى باشا.. هو غير معنى بأن كونه باشا يخصم من حقك فى أن تظل آدميا.
ما لم أجد له تفسيرا، هو ذلك الذى ليس باشا على الإطلاق، إلا أنه ينحاز إلى الباشا بلا أى مبرر. وقد يروج لخطاب الباشا فى لوم الضحية، وقد يصدر بيانات يدين فيها القتيل الباسم، انتصارا لمصالح الباشا. أنت تريح نفسك بافتراض أن الباشا قد غرر به وخدعه، لذلك فأنت تنتظره الموعد تلو الموعد، تقول إنه ظن بك السوء لأن الباشا أخبره بأنك نزلت يوم 27 مايو لتهدد وجوده، وربما تَحدّث من هم فى صفك بخطاب أثار فزعه، وهو ما دفعه إلى إصدار بيان يصف نضالك بأنه «جمعة الوقيعة». تحاول الاتصال به، لتوضح له الأمر، وتخبره بأنك لم تنزل للوقيعة، ولا ترغب فى الوقيعة، وتشرح له بالضبط وجهة نظرك، وتسأله إن كان سيتخلف عن مصاحبتك فى الميدان الجمعة المقبلة، فيخبرك بأنه سيعرض الأمر على المكتب ويجيبك بالإفادة، ثم يختفى، ثم يصدر بيانا آخر، يتهمك فيه بالافتئات على إرادة الشعب لأنك اعتصمت مطالبا بالقصاص للشهداء، فتتصل به، وتخبره بأنك لا تريد الافتئات على إرادة الشعب ولا تظن أن القصاص للشهداء يناقض الاستفتاء الذى صوتت عليه الأغلبية بنعم، فيخبرك بأنه لم يفهم ذلك البتة، وأن سبب سوء الفهم هو تصريحات ممدوح حمزة، فتطلب منه تصحيح الفهم، فيعدك بذلك، ثم يختفى.
تعود لتنتظره أمام سفارة العدو الصهيونى عقب قتل مجندين مصريين على الحدود، فتعلم أنه يتناول إفطاره فى السفارة الأمريكية، فتعاود الاتصال به، فيعدك خيرا، ثم يختفى، ثم يصدر بيانا يصف من اقتحموا السفارة بالمندسين! ثم تعود لتوضح له، فيؤكد لك أن سوء فهم قد حدث.
هو يختفى بعد كل «سوء فهم» لا يصححه، وأنت تنتظره، ومن حولك يتنامى شعور المرارة بداخلهم، وهم ينتظرونه معك: هم مش جايين؟ – زمانهم جايين – إمتى؟ شكلهم باعونا.. – لا أنا حاكلمهم.. وتقدم المبادرة تلو المبادرة، وتقوم بالاتصال من خلف الاتصال، وتنتظر، وحولك أناس ينتظرون وينظرون إليك بعين اللوم لأنهم لا يجدون أمامهم سواك: هم دول الإخوان اللى كنتى بتدافعى عنهم؟
لكننى لم أعد أنتظر، أو أتصل، أو أدافع، عقب مجزرة ماسبيرو التى ألقى فيها اللوم على القس فلوباتير! «ماهو لو ماكانش فلوباتير نزّلهم يتظاهروا ما كانوش ماتوا»، أو بقول آخر «قتله من جاء به»، للتهرب من الاعتراف بأن القاتل هو الفئة الباغية.
توقفت عن الانتظار، وعن الإيضاح، والشرح، وتفرغت لمهمة التصدى للسيل المقرف من الاتهامات التى تنهال علينا عقب كل مواجهة.
الفجيعة الكبرى كانت فى أثناء معركة محمد محمود. قوات أمن مركزى تضرب فى المواجهة، قوات جيش تضرب من شارع جانبى، شيوخ تقوم بالوساطة لثلاث هُدَن تودى كل واحدة منهم بحياة ما لا يقل عن عشرين شابا، شباب كأولياء أو ملائكة منزلين، يواجهون بثبات وشجاعة ورباطة جأش وسخرية من الموت، يتبادلون النكات حتى النفس الأخير، إعلام منحطّ يَصِمُهم بالبلطجة، أعداد غفيرة تتوافد على الميدان بعد فزع أصابهم من رؤية جندى يجر جثة شاب فى المزبلة، لحظة فارقة بحق، ملأت الجميع بالأمل فى النصر على الرغم من شلال الدم الذى كان لا يتوقف، لأول مرة، مليونيات يومية فى الميدان دون تنظيم من أى قوة سياسية، تهتف الجماهير التى نزلت بعفوية فيها: يسقط يسقط حكم العسكر. المجلس العسكرى يلفظ أنفاسه الأخيرة. لم يبقَ سوى أن يتطوع أى من الأنطاع الذين يشكلون حياتنا السياسية ليقول: أنا أتسلم السلطة من المجلس العسكرى وعليه أن يرحل. صدّق وعليك أن تصدق لأن ذلك ما حدث بالفعل: القوى السياسية جمعاء، تكاتفت لتعطى المجلس العسكرى قبلة الحياة، والصدمات الكهربية اللازمة لاستعادة النبض فى قلب النظام العسكرى القابع على أنفاسنا على مدى 60 عاما. تَزعّم كونسولتو الإنقاذ للنظام العسكرى إخوة الثورة، الذين يؤكدون الآن أن قوتنا فى وحدتنا. كان خطاب الإخوان المسلمين ضد أبطال محمد محمود كأحقر ما يكون، من اتهام بأنهم جزء من مؤامرة لتأجيل الانتخابات، وأنهم يشاركون فى فخ، حتى اتصل بى الأستاذ إبراهيم عيسى، الذى بذل من جهده وجريدته فى الدفاع عن خيرت الشاطر فى أثناء فترة حكم مبارك ما دفع البعض أن يتهمه بتقاضى أموال من الإخوان المسلمين، وطلب منى أن أصف له الوضع فى محمد محمود وأن أطرح حلا للخلاص، فقلت: اتصل بخيرت الشاطر خليهم ينزلوا.. المجلس بيخلّص. فتَحمّس بشدة: حالا حاتصل بيه. ثم علمت منه بعد ذلك أن المهندس خيرت الشاطر تجاهل اتصالات إبراهيم عيسى ورسائله. هذا بخلاف التهديد الذى وصل إلينا ونحن نواجه الرصاص رأسا من مكتب الإرشاد: لو أصر المعتصمون على طرح حل مجلس رئاسى مدنى فإننا سنفهم أنكم تدفعون فى طريق حرب أهلية! الأمر الذى دفع كل الأسماء التى طُرحت لتشكيل مجلس رئاسى مدنى إلى التخاذل عن نصرتنا، واللى يقول لنا المجلس يكلفنى، واللى يقول لنا وأنا أروح لفلان ليه؟ ما هو اللى يجيلى، واللى عمل نفسه ميت.. الحقيقة أننى لا ألوم الإخوان فقط، ولا أتهمهم بالتخاذل وحدهم، بل إننى أشير بإصبع الاتهام بالجبن والتخاذل إلى كل القوى السياسية مدنية كانت أو إسلامية، وإلى كل الشخصيات السياسة، من ترشح منها للرئاسة ومن جلس يفتى ويلتّ ويعجن. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
حين سُئل فضيلة المرشد محمد بديع: لماذا لم تساندوا من استغاث بكم فى أثناء معركة محمد محمود؟ أجاب فى أحد البرامج التليفزيونية: ما هو إذا كان مات من الإخوان فى الثورة تلاتين أو أربعين مش عايز يموت منهم 300 أو 400.. وبعدين إحنا نزّلنا أطباء، وفيه شباب نزل مخالف للأمر ورجعوا اعتذروا لى وقالوا لى إحنا ما كناش نعرف إن الوضع كده!
الوضع كده اللى هو إيه يا فضيلة المرشد؟ كنا بنعمل قلة أدب على أنغام القنابل؟
انفضّ الناس عنا، وكان الناس، المنتمون فى الغالب إلى حزب الكنبة، قد نزلوا ملتاعين من هلع القتل، إلا أن تخاذل القوى السياسية جعلهم يعلقون آخر أمل على مجلس الشعب، أما نحن فاستمررنا فى اعتصامنا ونقلناه أمام مجلس الوزراء اعتراضا على حكومة الجنزورى، فهجم الجيش علينا، وكشف ستر النساء وسحلهن، وتعمد فى هذه المعركة أن يكيل الإهانة إلى العنصر النسائى من بين المعتصمين، كأن الهدف كان التنكيل لا مجرد فض الاعتصام بالقوة. فما كان من إخوة الكفاح، الذين يعلمون تمام العلم أن قوتنا فى وحدتنا، إلا أن تساءلوا: طب وهى إيه اللى نزلها؟ سؤال كونى، ماحدش عرف يردّ عليه الصراحة… أفحمونا.
بعد فوز الإخوان المسلمين بالأغلبية فى البرلمان، اقترح إبراهيم عيسى أن يقوم المجلس العسكرى بتسليم السلطة للبرلمان، فما كان من علاء سيف إلا أن اتلدع بالفكرة، وراح قايم وساحب لك معاه كام واحد فى مسيرة حاشدة لتسليم السلطة للبرلمان المنتخب. فإذا بسياج من شباب الإخوان، الذين يخشى المرشد على حياتهم، يعترض المتظاهرين، ويضرب الفتيات… وما إن نادى منادٍ بأن الأولتراس على وصول حتى اختفى كل «الرجال» الذين أوسعوا الفتيات ضربا.
ثم أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بيانا تطالب فيه المجلس العسكرى بسرعة البت فى «قضايا التمويل»، وتحرض فيه بوضوح على اعتقال «الليبراليين، واليساريين، والفوضويين» الذين أصابتهم «الغيرة» من نجاح التيار الإسلامى! ومن كتر الغيرة ساروا فى مسيرة ليسلموهم السلطة.
ثم حدثت مجزرة بورسعيد التى تمخض عنها مواجهات شارع منصور، حيث أصيب الناس بطلق خرطوش، ومن بينهم صديقتى سلمى سعيد، إلا أن الكتاتنى أكد، بناء على تأكيدات السيد وزير الداخلية، إن «مافيش خرطوش»، ووقف نواب الشعب يدافعون عن «هيبة الداخلية»!
أخيرا، حدث بعض التوتر فى علاقة «العسكرى» بالإخوان، وانتهى شهر العسل، ولو أن انتهاء شهر العسل كان سيدفع ثمنه الإخوان فقط، فما حركت ساكنا، وربما جلست ابتسم فى شماتة، إلا أننى فقدت أصدقاء، وأعين أصحاب، وراحة بال، كى يفرح الناس بالديمقراطية، ويشعروا بقيمة أصواتهم. بدأ «العسكرى» يهدد الإخوان بقرار حل مجلس الشعب الكائن فى درج المحكمة الدستورية بالتزامن مع طرح خيرت الشاطر مرشحا لرئاسة الجمهورية.
ليه يا جدعان رشحتو رئيس جمهورية؟ إنتو ليه كدابين؟ ليه كده؟ فأجابت الجماعة بإجابة لو كنا نحكم على الناس بمعاييرهم لوجب استتابتهم عليها: ما القرآن فيه ناسخ ومنسوخ! يا لهو بالى يا امّا… إنت بتكفر يا نور؟!
لم آبه شخصيا بذلك الصراع بين عمر سليمان وخيرت الشاطر، واستبدال شفيق ومرسى بهما، ما أقلقنى هو العبث بمقدَّرات وإرادة شعب وقف فى طابور الانتخابات ليختار نوابه، حتى إن اتضح بعد ذلك إنهم بياكلوا هولز، لكنهم نواب الشعب، وهذا هو مجلس الشعب الذى سالت الدماء من أجل تشكيله بنزاهة وديمقراطية.
حدث ما نعلم من استبعاد حازم أبو إسماعيل، فنزل أنصاره للاعتصام فى ميدان التحرير ثم قرروا نقل اعتصامهم إلى وزارة الدفاع، وما كان لصاحب إنسانية أو نخوة أو بعض من مروءة أن يتخلى عن شباب يمارس حقه فى الاعتصام وقتما يعنّ له فى أى مكان يرغب فيه، البلد بلدهم وهم أحرار، يعتصمون لأى سبب وفى أى مكان.. وكان فى اعتصامهم قيمة أن الإنسان أغلى من أى منشأة مهما علا شأنها. وإذا بنا نفاجأ بأن جميع رموز التيار الإسلامى، سلفيا كان أم إخوانيا، يتخلون عن المعتصمين ويطرحون سؤالا كونيا آخر: مين دول؟ إحنا مانعرفهمش… أنا ماعرفوش يا ابنى شفيق يا راجل ده! الناس تسقط ما بين قتيل وجريح وهم يقولون إنهم لا يعرفونهم، ووصل الأمر بأحد المشايخ إلى أن قال إن شباب «6 أبريل» يغرّرون بالشباب السلفى الغض البرىء، وبيمشّوهم مشى وحش من بتاع الاعتصامات وقلة الأدب.. وأهاب بالشباب السلفى إنه مايسمعش كلام العيال الوحشة ولا يلعب معاهم تانى.
كانت موقعة العباسية فاجعة أخرى، وقت أن رقص الجيش المصرى على دماء شباب ثورى، لم يطالب بأكثر من حقه فى الاعتصام ونزاهة الانتخابات، وشاركه الرقص بعض من المدنيين الذين يعتقد البعض أنهم من سكان العباسية، بينما يرنم المشايخ ترنيمة رديئة عن هيبة الجيش حامى حمى البلاد من العزل. لا بس هو حامى حمى البلاد يا ولاد… حتى بأمارة ما اتقتل له 6 على الحدود وعمل نفسه نايم، ولم يتحرك للقصاص له سوى تلك الشرذمة عدوة الوطن التى اندسّت لتقتحم سفارة العدو الصهيونى انتقاما لفلذات أكبادنا التى سُفكت دماؤها على الحدود.
وجع قلب… مش كده؟

كأس المُرّ


عقب مجزرة ماسبيرو توجهت إلى المستشفى القبطى، استوقفنى شخص بابتسامة عريضة قائلا: تخشِّى المشرحة ولا حتخافى؟ فقاطعه رجل آخر: حرام عليك. فأجاب وهو يسحبنى من يدى: لا مش حرام.. ودفع بى إلى الباب بينما تتعالى أصوات بعض الوقوف: حرام عليك يا أخى… ما تخشيش يا نوارة. التفتُّ إليه فأومأ برأسه باسما: خشى خشى! كان لغط بداخل المشرحة، أصوات بكاء، دعوات على الظالم والصامت والراضى، ثم صفير فى أذنى، ولم أعد أسمع شيئا، وقعت عينى على وجه مبتسم، تسيل من رأسه الدماء، ابتسمت له وحدثته ببضع كلمات، ثم شعرت بأيدٍ تربت على كتفى وأذرع تحتضنى لتخرجنى. خرجت من المشرحة فقابلت كاميرا تليفزيونية، ولوهلة، نسيت ما رأيت بالداخل، ثم خرجت إلى بوابة المستشفى لأستمع إلى نحيب أحد الشباب وهو يصرخ: يا مينااااااا… ثم نظر الىّ: مينا دانيال يا نوارة! جلست بجواره، ولم أبك. تذكرت فجأة الوجوه التى قابلتها بالداخل، وتذكرت أن الوجه الباسم الذى كنت أحدثه بالمشرحة كان لمينا دانيال، ولسبب لا أعرف تفسيره العلمى، تعاملت معه بوصفه حيا يُرزق، ولسبب لا أعرف تفسيره العلمى نسيت أننى شاهدته بالداخل وتعاملت مع الخبر كأنه لم يحدث حتى حضرت رباب المهدى وأخبرتها بنفسى أن هذا الشاب الجالس بجوارى يبكى مينا دانيال، ولسبب لا أعلمه، لم أبدأ فى البكاء إلا حين أخبرنى الحضور بأن علىّ الرحيل.
لم يكن هذا السيَحان فى الدماغ هو الأكثر إيلاما. المؤلم كان فى تعليقات من لم يحضر المجزرة ومضى يرغى ويزبد فى ما لا يعلم ولا يشعر ولا يفهم. المؤلم كان فى إلقاء اللوم على الضحية، الذى كان علىّ أن أواجهه عقب كل مجزرة، بدءا من 15 مايو حتى مجزرة العباسية. كأن المرء يتعود على ارتفاع نسبة الأدرينالين، كأن المدرعات والرصاص يتحولان إلى لعبة، تبعث على الضحك أحيانا، وعلى الصراخ الطفولى أحيانا أخرى، كأن سقوط من كان يمازحك منذ هنيهة برصاص العدو تحول إلى أمر روتينى، يستلزم التعليق عليه منبها من حولك: الواد مات.. أنت تعتاد المواجهات، ولا تعتاد الظلم… آه، قلت رصاص العدو! هذا أمر مؤلم آخر، ربما تجاوزته بعد فترة، أن يتحول من كنت تفخر به من بنى وطنك إلى عدو يسعى سعيا حثيثا للإجهاز عليك وكسر إرادتك وإهدار كرامتك. إلا أن توصيفه بالعدو، قد يصاحبه بعض المرارة فى البداية، ثم تشعر بالراحة بعد قليل: هذا هو العدو… ليس هنالك ما يدعوك إلى الأسف لأنه يوجه سلاحه ضدك.
تجد للعدو أعذارا، لا تبرر فعله، لكنها تريحك من التساؤل الذى يقض مضجعك: لماذا؟ ببساطة لأنه عدو، تتعارض مصالحه مع مصالحك. هو بالأساس له مصالح، وأنت تهدده لأن مصالحه تَصادَف أنها تأتى على حساب كرامتك، وحقك، وقوتك، وحريتك. الباشا عايز يفضل باشا، وأنت تقول له: مش حتبقى باشا.. هو غير معنى بأن كونه باشا يخصم من حقك فى أن تظل آدميا.
ما لم أجد له تفسيرا، هو ذلك الذى ليس باشا على الإطلاق، إلا أنه ينحاز إلى الباشا بلا أى مبرر. وقد يروج لخطاب الباشا فى لوم الضحية، وقد يصدر بيانات يدين فيها القتيل الباسم، انتصارا لمصالح الباشا. أنت تريح نفسك بافتراض أن الباشا قد غرر به وخدعه، لذلك فأنت تنتظره الموعد تلو الموعد، تقول إنه ظن بك السوء لأن الباشا أخبره بأنك نزلت يوم 27 مايو لتهدد وجوده، وربما تَحدّث من هم فى صفك بخطاب أثار فزعه، وهو ما دفعه إلى إصدار بيان يصف نضالك بأنه «جمعة الوقيعة». تحاول الاتصال به، لتوضح له الأمر، وتخبره بأنك لم تنزل للوقيعة، ولا ترغب فى الوقيعة، وتشرح له بالضبط وجهة نظرك، وتسأله إن كان سيتخلف عن مصاحبتك فى الميدان الجمعة المقبلة، فيخبرك بأنه سيعرض الأمر على المكتب ويجيبك بالإفادة، ثم يختفى، ثم يصدر بيانا آخر، يتهمك فيه بالافتئات على إرادة الشعب لأنك اعتصمت مطالبا بالقصاص للشهداء، فتتصل به، وتخبره بأنك لا تريد الافتئات على إرادة الشعب ولا تظن أن القصاص للشهداء يناقض الاستفتاء الذى صوتت عليه الأغلبية بنعم، فيخبرك بأنه لم يفهم ذلك البتة، وأن سبب سوء الفهم هو تصريحات ممدوح حمزة، فتطلب منه تصحيح الفهم، فيعدك بذلك، ثم يختفى.
تعود لتنتظره أمام سفارة العدو الصهيونى عقب قتل مجندين مصريين على الحدود، فتعلم أنه يتناول إفطاره فى السفارة الأمريكية، فتعاود الاتصال به، فيعدك خيرا، ثم يختفى، ثم يصدر بيانا يصف من اقتحموا السفارة بالمندسين! ثم تعود لتوضح له، فيؤكد لك أن سوء فهم قد حدث.
هو يختفى بعد كل «سوء فهم» لا يصححه، وأنت تنتظره، ومن حولك يتنامى شعور المرارة بداخلهم، وهم ينتظرونه معك: هم مش جايين؟ – زمانهم جايين – إمتى؟ شكلهم باعونا.. – لا أنا حاكلمهم.. وتقدم المبادرة تلو المبادرة، وتقوم بالاتصال من خلف الاتصال، وتنتظر، وحولك أناس ينتظرون وينظرون إليك بعين اللوم لأنهم لا يجدون أمامهم سواك: هم دول الإخوان اللى كنتى بتدافعى عنهم؟
لكننى لم أعد أنتظر، أو أتصل، أو أدافع، عقب مجزرة ماسبيرو التى ألقى فيها اللوم على القس فلوباتير! «ماهو لو ماكانش فلوباتير نزّلهم يتظاهروا ما كانوش ماتوا»، أو بقول آخر «قتله من جاء به»، للتهرب من الاعتراف بأن القاتل هو الفئة الباغية.
توقفت عن الانتظار، وعن الإيضاح، والشرح، وتفرغت لمهمة التصدى للسيل المقرف من الاتهامات التى تنهال علينا عقب كل مواجهة.
الفجيعة الكبرى كانت فى أثناء معركة محمد محمود. قوات أمن مركزى تضرب فى المواجهة، قوات جيش تضرب من شارع جانبى، شيوخ تقوم بالوساطة لثلاث هُدَن تودى كل واحدة منهم بحياة ما لا يقل عن عشرين شابا، شباب كأولياء أو ملائكة منزلين، يواجهون بثبات وشجاعة ورباطة جأش وسخرية من الموت، يتبادلون النكات حتى النفس الأخير، إعلام منحطّ يَصِمُهم بالبلطجة، أعداد غفيرة تتوافد على الميدان بعد فزع أصابهم من رؤية جندى يجر جثة شاب فى المزبلة، لحظة فارقة بحق، ملأت الجميع بالأمل فى النصر على الرغم من شلال الدم الذى كان لا يتوقف، لأول مرة، مليونيات يومية فى الميدان دون تنظيم من أى قوة سياسية، تهتف الجماهير التى نزلت بعفوية فيها: يسقط يسقط حكم العسكر. المجلس العسكرى يلفظ أنفاسه الأخيرة. لم يبقَ سوى أن يتطوع أى من الأنطاع الذين يشكلون حياتنا السياسية ليقول: أنا أتسلم السلطة من المجلس العسكرى وعليه أن يرحل. صدّق وعليك أن تصدق لأن ذلك ما حدث بالفعل: القوى السياسية جمعاء، تكاتفت لتعطى المجلس العسكرى قبلة الحياة، والصدمات الكهربية اللازمة لاستعادة النبض فى قلب النظام العسكرى القابع على أنفاسنا على مدى 60 عاما. تَزعّم كونسولتو الإنقاذ للنظام العسكرى إخوة الثورة، الذين يؤكدون الآن أن قوتنا فى وحدتنا. كان خطاب الإخوان المسلمين ضد أبطال محمد محمود كأحقر ما يكون، من اتهام بأنهم جزء من مؤامرة لتأجيل الانتخابات، وأنهم يشاركون فى فخ، حتى اتصل بى الأستاذ إبراهيم عيسى، الذى بذل من جهده وجريدته فى الدفاع عن خيرت الشاطر فى أثناء فترة حكم مبارك ما دفع البعض أن يتهمه بتقاضى أموال من الإخوان المسلمين، وطلب منى أن أصف له الوضع فى محمد محمود وأن أطرح حلا للخلاص، فقلت: اتصل بخيرت الشاطر خليهم ينزلوا.. المجلس بيخلّص. فتَحمّس بشدة: حالا حاتصل بيه. ثم علمت منه بعد ذلك أن المهندس خيرت الشاطر تجاهل اتصالات إبراهيم عيسى ورسائله. هذا بخلاف التهديد الذى وصل إلينا ونحن نواجه الرصاص رأسا من مكتب الإرشاد: لو أصر المعتصمون على طرح حل مجلس رئاسى مدنى فإننا سنفهم أنكم تدفعون فى طريق حرب أهلية! الأمر الذى دفع كل الأسماء التى طُرحت لتشكيل مجلس رئاسى مدنى إلى التخاذل عن نصرتنا، واللى يقول لنا المجلس يكلفنى، واللى يقول لنا وأنا أروح لفلان ليه؟ ما هو اللى يجيلى، واللى عمل نفسه ميت.. الحقيقة أننى لا ألوم الإخوان فقط، ولا أتهمهم بالتخاذل وحدهم، بل إننى أشير بإصبع الاتهام بالجبن والتخاذل إلى كل القوى السياسية مدنية كانت أو إسلامية، وإلى كل الشخصيات السياسة، من ترشح منها للرئاسة ومن جلس يفتى ويلتّ ويعجن. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
حين سُئل فضيلة المرشد محمد بديع: لماذا لم تساندوا من استغاث بكم فى أثناء معركة محمد محمود؟ أجاب فى أحد البرامج التليفزيونية: ما هو إذا كان مات من الإخوان فى الثورة تلاتين أو أربعين مش عايز يموت منهم 300 أو 400.. وبعدين إحنا نزّلنا أطباء، وفيه شباب نزل مخالف للأمر ورجعوا اعتذروا لى وقالوا لى إحنا ما كناش نعرف إن الوضع كده!
الوضع كده اللى هو إيه يا فضيلة المرشد؟ كنا بنعمل قلة أدب على أنغام القنابل؟
انفضّ الناس عنا، وكان الناس، المنتمون فى الغالب إلى حزب الكنبة، قد نزلوا ملتاعين من هلع القتل، إلا أن تخاذل القوى السياسية جعلهم يعلقون آخر أمل على مجلس الشعب، أما نحن فاستمررنا فى اعتصامنا ونقلناه أمام مجلس الوزراء اعتراضا على حكومة الجنزورى، فهجم الجيش علينا، وكشف ستر النساء وسحلهن، وتعمد فى هذه المعركة أن يكيل الإهانة إلى العنصر النسائى من بين المعتصمين، كأن الهدف كان التنكيل لا مجرد فض الاعتصام بالقوة. فما كان من إخوة الكفاح، الذين يعلمون تمام العلم أن قوتنا فى وحدتنا، إلا أن تساءلوا: طب وهى إيه اللى نزلها؟ سؤال كونى، ماحدش عرف يردّ عليه الصراحة… أفحمونا.
بعد فوز الإخوان المسلمين بالأغلبية فى البرلمان، اقترح إبراهيم عيسى أن يقوم المجلس العسكرى بتسليم السلطة للبرلمان، فما كان من علاء سيف إلا أن اتلدع بالفكرة، وراح قايم وساحب لك معاه كام واحد فى مسيرة حاشدة لتسليم السلطة للبرلمان المنتخب. فإذا بسياج من شباب الإخوان، الذين يخشى المرشد على حياتهم، يعترض المتظاهرين، ويضرب الفتيات… وما إن نادى منادٍ بأن الأولتراس على وصول حتى اختفى كل «الرجال» الذين أوسعوا الفتيات ضربا.
ثم أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بيانا تطالب فيه المجلس العسكرى بسرعة البت فى «قضايا التمويل»، وتحرض فيه بوضوح على اعتقال «الليبراليين، واليساريين، والفوضويين» الذين أصابتهم «الغيرة» من نجاح التيار الإسلامى! ومن كتر الغيرة ساروا فى مسيرة ليسلموهم السلطة.
ثم حدثت مجزرة بورسعيد التى تمخض عنها مواجهات شارع منصور، حيث أصيب الناس بطلق خرطوش، ومن بينهم صديقتى سلمى سعيد، إلا أن الكتاتنى أكد، بناء على تأكيدات السيد وزير الداخلية، إن «مافيش خرطوش»، ووقف نواب الشعب يدافعون عن «هيبة الداخلية»!
أخيرا، حدث بعض التوتر فى علاقة «العسكرى» بالإخوان، وانتهى شهر العسل، ولو أن انتهاء شهر العسل كان سيدفع ثمنه الإخوان فقط، فما حركت ساكنا، وربما جلست ابتسم فى شماتة، إلا أننى فقدت أصدقاء، وأعين أصحاب، وراحة بال، كى يفرح الناس بالديمقراطية، ويشعروا بقيمة أصواتهم. بدأ «العسكرى» يهدد الإخوان بقرار حل مجلس الشعب الكائن فى درج المحكمة الدستورية بالتزامن مع طرح خيرت الشاطر مرشحا لرئاسة الجمهورية.
ليه يا جدعان رشحتو رئيس جمهورية؟ إنتو ليه كدابين؟ ليه كده؟ فأجابت الجماعة بإجابة لو كنا نحكم على الناس بمعاييرهم لوجب استتابتهم عليها: ما القرآن فيه ناسخ ومنسوخ! يا لهو بالى يا امّا… إنت بتكفر يا نور؟!
لم آبه شخصيا بذلك الصراع بين عمر سليمان وخيرت الشاطر، واستبدال شفيق ومرسى بهما، ما أقلقنى هو العبث بمقدَّرات وإرادة شعب وقف فى طابور الانتخابات ليختار نوابه، حتى إن اتضح بعد ذلك إنهم بياكلوا هولز، لكنهم نواب الشعب، وهذا هو مجلس الشعب الذى سالت الدماء من أجل تشكيله بنزاهة وديمقراطية.
حدث ما نعلم من استبعاد حازم أبو إسماعيل، فنزل أنصاره للاعتصام فى ميدان التحرير ثم قرروا نقل اعتصامهم إلى وزارة الدفاع، وما كان لصاحب إنسانية أو نخوة أو بعض من مروءة أن يتخلى عن شباب يمارس حقه فى الاعتصام وقتما يعنّ له فى أى مكان يرغب فيه، البلد بلدهم وهم أحرار، يعتصمون لأى سبب وفى أى مكان.. وكان فى اعتصامهم قيمة أن الإنسان أغلى من أى منشأة مهما علا شأنها. وإذا بنا نفاجأ بأن جميع رموز التيار الإسلامى، سلفيا كان أم إخوانيا، يتخلون عن المعتصمين ويطرحون سؤالا كونيا آخر: مين دول؟ إحنا مانعرفهمش… أنا ماعرفوش يا ابنى شفيق يا راجل ده! الناس تسقط ما بين قتيل وجريح وهم يقولون إنهم لا يعرفونهم، ووصل الأمر بأحد المشايخ إلى أن قال إن شباب «6 أبريل» يغرّرون بالشباب السلفى الغض البرىء، وبيمشّوهم مشى وحش من بتاع الاعتصامات وقلة الأدب.. وأهاب بالشباب السلفى إنه مايسمعش كلام العيال الوحشة ولا يلعب معاهم تانى.
كانت موقعة العباسية فاجعة أخرى، وقت أن رقص الجيش المصرى على دماء شباب ثورى، لم يطالب بأكثر من حقه فى الاعتصام ونزاهة الانتخابات، وشاركه الرقص بعض من المدنيين الذين يعتقد البعض أنهم من سكان العباسية، بينما يرنم المشايخ ترنيمة رديئة عن هيبة الجيش حامى حمى البلاد من العزل. لا بس هو حامى حمى البلاد يا ولاد… حتى بأمارة ما اتقتل له 6 على الحدود وعمل نفسه نايم، ولم يتحرك للقصاص له سوى تلك الشرذمة عدوة الوطن التى اندسّت لتقتحم سفارة العدو الصهيونى انتقاما لفلذات أكبادنا التى سُفكت دماؤها على الحدود.
وجع قلب… مش كده؟
حسنٌ، هذا الاستعراض المؤلم لكأس المر التى تجرعناها على مدى عام ونصف لا يعنى أننى أتخلى عن اختيار الشعب وحقه فى الديمقراطية، ولا أقبل بإهانة نواب الشعب مهما بلغت رداءة أدائهم، ولا أقبل بانقلاب عسكرى على الديمقراطية، وقد علمنا أن المحكمة الدستورية قد عزمت على حل البرلمان قبل جولة الإعادة، فذهبت بخيمتى مضربة عن الطعام ومطالبة نواب الشعب باحترام من انتخبهم والاعتصام تحت قبة البرلمان لتفعيل قانون العزل السياسى، وحماية برلمان الشعب من حله، فانضمّ ما يقرب من 50 مضربا، ومثل العدد تقريبا من المعتصمين… قوم إيييييه؟ قووووم عصام العريان يصرّح بأن نواب الشعب لن يعتصموا، إنتو جايين تعملوا لنا كرامة؟ إحنا ما عندناش كرامة أصلا… ومش بنحبها كمان.. بس هه. وانتظرنا الكتاتنى ليقابلنا كما وعد النائب كمال أبو عيطة، فهرب.
تم حل مجلس الشعب، وبدأ إخوة الكفاح يطلبون من شباب الثورة «الطاهر» واللى كان نجس من شوية صغيرين بس، حتى بأمارة ستة إبليس، الانضمام مرة أخرى إلى الثورة للدفاع عن الشرعية.
وصدق حسن مالك حين قال لبعض من شباب الثورة الذى كان يطلب ضمانات من مرسى قبل جولة الإعادة حين قال: مش حنديكو ضمانات وانتو ما يتخافش منكو، إنتو عندكو أخلاق، ولا يمكن تنتخبو شفيق، آخركو تقاطعوا.
حيث إن شباب الثورة الطاهر، النجس سابقا، بالفعل يتمتعون بقدر عال من الأخلاق، أو… مش عارفة، هى مش حكاية أخلاق، الأمر يتعلق بالتضحيات. نحن كنا نشعر بالراحة حين كنا نرى مشهد المواطنين وهم يقفون فى طوابير انتخاب البرلمان، على الرغم من أن دماء أصدقائنا الذين استشهدوا فى محمد محمود لم تكن قد جفت بعد. وكنا نشعر بالراحة حين نرى المواطنين يعلقون على أداء نواب البرلمان بالنقد وهم يشعرون أنهم أصحاب الفضل فى وجودهم تحت قبة البرلمان، ونشعر بالاطمئنان أن التضحيات لم تذهب هدرا لأن الناخب المصرى يقف ليختار رئيسه وهو يشعر بأنه سيختاره ليحاسبه كما يحاسب نواب البرلمان… ربما الأمر لا يتعلق بالأخلاق والقيم والمبادئ، بقدر ما يتعلق براحة نفسية تساعدنا على النوم بعد حضور المشاهد المروعة، مشهد المواطن المصرى وهو «بيمخمض» الشخص الذى انتخبه، ونازل ذل فى أيماناته، يجعلنا نشعر بأن الليالى الحالكة لم تذهب هباء، وأن الثمن المدفوع له مردود يستحق الفخر.
الأمر الذى دفعنا إلى الإضراب عن الطعام لإجبار النواب على حماية برلمان ليسوا فيه سوى خدم للشعب، ودفع غيرى إلى مساندة محمد مرسى للوصول إلى سدة الرئاسة، أما أنا فقاطعت الانتخابات. أما وقد وصل محمد مرسى إلى سدة الرئاسة، وعلى الرغم من أننى أُشهِد الله أننى قد سامحت الإخوان المسلمين فى كل الإساءات الشخصية التى لحقت بى، بدءا من «الشيعية بنت الحشاش» وحتى الخوض فى الأعراض، وأُشهِد الله أننى لم أسامحهم قيد أنملة على كل النذالات وسلسلة الخذلان التى اقترفوها بحق من مات ومن عاش بعين واحدة أو فقد بصره إلى الأبد ومن لم يفقد حياته وبصره لكنه فقد جزءا خاصا جدا من نفسه لا أظنه سيستعيده مرة أخرى، فإن السيد الدكتور محمد مرسى، هو السيد الرئيس المصرى المنتخب، وعليه احترام نفسه ولو رغما عنه، وعلى المجلس العسكرى احترامه بالذوق ولاّ بالعافية، والسيد الرئيس محمد مرسى، هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو صاحب الحق فى كل الصلاحيات بوصفه رئيسا للجمهورية، ولن أقبل بإهانة الناخب المصرى الذى قاتلت من أجل كرامته، ولن أقبل بالإعلان الدستورى المكمل، ولن أقبل بانقلاب عسكرى على الشرعية البرلمانية ولو باسم القضاء زورا، ولن أقبل بانقلاب عسكرى على الرئيس المصرى المنتخب، أنا معتصمة فى الميدان، وسأحمى السيد الرئيس وأحمى صلاحياته ومنصبه وشرعيته بدمى، وأعرف مِن الشباب مَن هم أسود يقفون بين المجلس العسكرى وبينه مستعدين لسحق عظام كل من يسلبه الشرعية، وهم ذات الأسود الذين يقفون بين الناس وبينه ومستعدون لأكل لحمه نيئا فى حال ما إذا أخلّ بتعهداته، بدءا من احترام نفسه ومنصبه، مرورا بتشكيل هيئة رئاسية توافقية، وتشكيل حكومة ائتلافية تخدم الشعب، وانتهاء بوعده الذى ذكره فى خطابه: لن أخون الله فيكم.

كأس المُرّ - التحرير

الأربعاء، 27 يونيو 2012

10 نصائح لثوار السودان


1- إذا قرر الرئيس أن يتنحى فلا تمنحوه فرصة أن يختار مَن يخلفه، لأنه حسب قوانين الطبيعة البشرية سيختار من بين رجاله «اللى يقدر يغطّى عليه»، لن يختار من هو كفء للمنصب، لأنه يختار الذين حوله دائما بحيث يبدو هو أكثرهم كفاءة.
2- لا بد من اختيار شخص يمثل الثورة ولا أقول زعيما لها، إذا ارتبطت الثورة باسم شخص بعينه سيكون عمرها قصيرا متى رحل هذا الشخص أو فسد أو تعرض لاغتيال معنوى، لا بد من الاتفاق على شخص يمثل الثورة فى مقعد الإدارة ولو لفترة انتقالية، ما لم تفعلوا ذلك سيتطفل كثيرون على الثورة ليتحدثوا باسمها وفى وقت لاحق سيكون هؤلاء المتطفلون أحد أهم أسباب الانتكاسة.
3- خلع رئيس الجمهورية لا بد أن يتبعه بالضرورة خلع الصف الأول فى جهاز الشرطة، لأنه أفنى عمره مبرمَجًا لحماية النظام، وعادة يحدث فى أجهزة الشرطة وقوع للسستم كله إذا ما حاولت تغيير البرنامج، بينما الهارد وير نفسه معطوب.
4- إذا أعد قادة الفترة الانتقالية أى استفتاء على أى شىء.. أى شىء.. أبوس إيديكو صوّتوا بـ«لا» على ضمانتى.
5- لضمان استقرار المرحلة الانتقالية يُفضّل إلغاء كل برامج التوك شو لمدة ستة أشهر على الأقل واستخدام مذيعيها فى تحليل مباريات كرة القدم، أما محللو كرة القدم فلا بد من منعهم من الكلام الجاهل فى السياسة ويُفضَّل خلال هذه الفترة أن يقدموا برامج طهى، وبمناسبة كرة القدم يفضل عدم لعب أى مباريات فى أى مدينة ساحلية حتى يتم إقصاء النظام القديم تماما.
6- لا تغادروا الشوارع قبل تحقيق الحد الأدنى من المطالب الثورية، ولا تختاروا رئيس حكومة لمجرد أنه شارك فى الثورة.. ولكن فتشوا بين الكوادر النظيفة التى أبعدها النظام عن الصورة تماما، على واحد يصلح لهذه المهمة يكفى أن يكون وطنيا وماهرا، وإن كان هناك ترتيب واجب لعمليات الإصلاح، فالإصلاح يبدأ بكتابة الدستور، لا بد من معرفة قواعد اللعبة قبل النزول إلى أرض الملعب.
7- لا تهتفوا لأحد إلا للشعب فقط، لا تمنحوا أحدا فرصة أن يعايركم بأنه هو الذى حمى الثورة، سيخرج واحد من بينهم بعد فترة ليقف فوق سطح مبنى حكومى ليتبول على الثوار، وسيصبح قادرا بمرور الوقت على أن يبدو فى عيون البعض وكأنه هو الثورة، يمكنكم بعد نجاح الثورة والاطمئنان على مستقبلها أن تقيموا تماثيل ذهبية فى الميادين العامة لكل من ساعد الثورة وأسهم فى نجاحها وأن تخلدوه على مقاعد قلوبكم، قبل ذلك ستخلدونه -دون أن تدروا- على مقاعد الحكم.
8- احذروا فتنة القوائم السوداء وتسمية الفلول وكليبات «انظر موقف فلان قبل الثورة وبعد الثورة»، فلتكن الثورة ديانة جديدة تفتح باب الصفح أمام شركاء الوطن وتفتح باب السجن والنفى الاجتماعى أمام من أجرموا فقط. القوائم السوداء التى ستعدونها والكراهية التى ستزرعونها فى الأجواء ستصبح مثل كرة الثلج التى تكبر يوما بعد يوم حتى تصحو يوما على أحد رموز النظام القديم، وهو على بعد خطوة من كرسى الرئاسة مدعوما بقوة من تم نفيهم، فليكن فى يقينكم دائما أن الناس أعداء ما جهلوا والثورة مجهول فلتساعدوا صوت المعرفة أن يكون أعلى من صوت الترهيب.
9- يقول المثل الكولومبى «لا تثق بطفل يتحدث إليك، بينما الشيكولاتة تسيل على جانبَى فمه»، فلا تثق بمن يقول «أضمن سلامة المتظاهرين برقبتى» أو «يا واد يا مؤمن» أو «مشاركة لا مغالبة» أو «الشباب الطاهر الجميل اللى كانوا فى الثورة» أو «الأخ الفلوطة» أو «عملاء الصهيوينة» أو عن «التدريب فى صربيا» أو «إدمان الترامادول» أو «قدرة الرئيس القادم على تزغيط البط» أو من يخترع طائفة اسمها «المواطنون الشرفاء» أو «صوتك الانتخابى سيدخلك الجنة» أو «الخروج الآمن.. هذا المصطلح تحديدا بيخلّى الناس مش عايزة تخرج»، إياك والمصابين بفوبيا «الفوتوشوب» وأصحاب اقتراحات من نوعية «طيارة هليكوبتر تلقى كوبونات الهدايا على الشعب» أو «احنا نبنى هنا جدار عازل» أو «احنا نقدم كمال أجسام»، والعاملين بنظرية «لا يعبر عن وجهة نظر الحزب»، والداعى للاعتصام فى الميادين، بينما هو معتصم فى بيته، لا تبادروا بالعنف ولا تُستدرَجوا إلى مواجهات مع مواطنين وأحسِنوا اختيار من يتحدث باسم الثورة فى الميديا عموما، وليكن للثورة ميديا خاصة بها ليست مرهونة باجتهاد شخص ثورى هنا أو هناك.
10- المحاكمات ثورية، لا تتعاملوا مع من أفسد كأنه متهم فى قضية نفقة، «تويتر» و«فيسبوك» مقبرة الثورة ومهد أمن الدولة خلال هذه الفترات («تويتر» يسجن الثوار فى القوقعة ليظلوا بعدها يلطمون قائلين «عايزين ننزل الشارع عايزين ننزل الشارع»). وعود حماية المتظاهرين هى كلمة السر التى يبدأ بعدها العنف (راجع «محمد محمود» و«الجمل» فى ثورة يناير). الصفقات فيروس الثورات فطهِّروا صفوفكم أولا بأول من رواد الغرف المغلقة. أيام الثورة خُلقت ليتم فرز الجميع من أول وجديد فلا تحزن على من يسقط من نظرك واحمد الله على هذه النعمة. التنظير هو المسمار الأول فى نعش التجربة، أما الوضوح والاعتراف بالأخطاء فهو للتجربة إكسير حياة، وأرجوكم فليكن غناؤكم للثورة غناء «فرايحى» وبسيط، لأن الأغانى الحزاينى المتفلسفة المليئة بالشجن المفتعل تزرع فى الوجدان بمرور الوقت شعورا بالهزيمة. معروف طبعا إن اللى يحب السودان ما يخربّش السودان، لكن وعلى سبيل الاحتياط حاولوا أن تحتفظوا فى مكان أمين بالنسخة الأصلية من كتاب «وصف السودان».
ربنا معاكم.

10 نصائح لثوار السودان - التحرير